في الظروف الطبيبعة, تدار سلاسل الامداد على أساس التوازن بين العرض و الطلب مع افتراض ضمنى بوجود قدر من الاستقرار ف تدفق الموارد, لكن في زمن الحرب ينهار هذا الافتراض تماما و تتحول الندرة النسبية من حالة يمكن التنبؤ بها الى ازمة ديناميكيه متسارعة تتغير مع كل تتطور ميدانى او قرار سياسى.
الحرب الدائرة حاليا بين ايران و من خلفها روسيا و الصين من جهة و الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني مع تصاعد تورط دول الخليج من جهة أخرى, فهى تمثل نموذجا مثاليا حيا لكيف يمكن للصراع الجيوسياسي ان يعيد تشكيل خريطة الموارد و سلاسل الامداد على مستوى العالم.
من منظور مدير سلاسل الامداد المخضرم فان اول ما يتغير في زمن الححرب ليس فقط توافر الموارد بل قواعد اللعبة بالكامل, فالموارد التي كانت متاحه بالأمس قد تصبح اليوم غير قابله للوصول بسبب نفاذها و عدم القدرة على انتاجها او بسبب تعطل المسارات التي تنقلها, و بناء علية يظهر جوهر الندرة النسبية في سياقها الحقيقى: ان الندرة ليست في المورد ذاتة بل في القدرة على الوصول اليه و توظيفة في الوقت المناسب.
الحرب الحالية في منطقة الخليج اعادت تسليط الضوء على احد اهم الشرايين الحيوة في الاقتصاد العالمى و هو مضيق هرمز, هذا الممر البحرى لا يمثل مجرد طريق شحن بل هو نقطة اختناق استراتيجية يمر عبرها جزء ضخم من الطاقة العالميه, و مع تصاعد العمليات العسكريه و اغلاق و تهديد هذا الممر اصبح ما يقارب من 15% الى 20 % من امدادت النفط العاليمة عالقة او معرضة للخطر و هو ما يمثل صدمة غير مسبوقه في تاريخ أسواق النفط و الطاقة.
هذه الصدمة لا تتوقف عند قطاع الطاقة فقط بل تمتد الى كل الصناعات تقريبا, فالطاقة هي المدخل الاساسى لكل عمليات الإنتاج و عندما ترتفع أسعارها او تتقلص امداداتها فان التاثير يتضاعف عبر سلاسل الامداد بالكامل, فجأة تصبح تكلفة النقل اعلى و تزاداد تكلفة التصنيع و تتاكل هوامش الربح بينما تترفع التكاليف و الأسعار النهائة للمستهلكين و بهذة الطريقة تتحول بها الندرة المحلية الى تضخم و ازمة عالمية.
لكن التاثير الأكثر تعقيدا يظهر في تعطل التدفقات اللوجستيه ففي ظل الحرب لم تعد طرق الشحن امنه و أصبحت شركات الملاحة تتجنب مناطق معينه او تعيد توجيه السفن عبر مسارات أطول و اكثر تكلفه, و بعض السفن وقفت أنظمة التتبع لتجنب الاستهداف بينما تعرضت أنظمة الملاحة للتشويش مما أدى الى حالة من الفوضى في حركة الشحن البحرى, الننتيجة المباشرة لذلك هي زيادة زمن التوريد بشكل كبير, وهو ما يضرب احد اهم أعمدة كفاءة سلاسل الامداد الحديثة.
في الوقت نفسة تتعرض البنية التحتية نفسها للهجوم, فالضربات التي استهدفت منشأت الطاقة والموانى في دول الخليج م تود فقط الى تدمير مادى بل الى خلق حالة من عدم اليقين الاستثمارى و التشغيلى, فعندما تصبح الموانى او المصانع اهداف عسكرية فان الخاطر التشغيلية ترتفع الى مستويات غير مسبوقة و تتحول القرارت اللوجستيه من تحسين التكلفه الى إدارة البقاء.
هذا الوضع أدى بالفعل الى اضطرابات حاده في سلاسل امداد مواد أساسية مما ادرى الى ارتفاع الأسعار عالميا و نقس في الامدادت كما ان سلاسل الامداد البترول و الغاز تأثرت بسب تعطل مرورها عبر المنطقة الامر الذى أدى الى شبة شلل في قارة بأكملها مثل قارة أوروبا بالرغم من انها ليست طرفا في الحرب, كذلك بدأت بالفعل بعض الدول الأخرى تعانى من أزمات في امدادت الطاقة المنزلية و ارتفاع أسعار الوقود و بالتالى ارتفاع أسعار كل السلع و المنتجات.
الندرة هنا لم تعد مرتبطة بقطاع واحد, بل أصبحت “ندرة مترابطه” , فنقص الوقود يؤدى الى نقص في الإنتاج الصناعى و ال1ى بدورة يؤدى الى نقص في المنتجات النهائية و هو ما يضغط على سلاسل التوزيع و يخلق موجات متتاليه من الاختناقات, هذه الظاهرة تعرف في إدارة سلاسل الامداد بـ ” Ripple Effect” حيث ينتقل التأثير من نقطة الى أخرى بشكل متسلسل و غاليا ما يتضخم مع الوقت.
الامر لا يتوقف عند الجانب التشغيلى بل يمتد الى إعادة تشكيل النظام الاقتصادى العالمى نفسة, فالحرب الحالية بدأت تهز أسس النظان النفطي العالمى بما في ذلك هيمنة الدولار على تجارة النفط مع توجه بعض الدول الى البحث عن بدائل نقدية و شركات جديده, و هذا التحول له تأير مباشر على سلاسل الامداد لانه يعيد تعريف قواعد التعاقد, التسعير , و حتى اختيار الشركاء التجاريين.
من زاوية أخرى فان الحرب كشفت هشاشة نموذج العولمة فائقة الكفاءة الذى اعتمدت علية الشركات لعقود, هذا النموذج الذى يركز على تقليل التكلفه و تعظيم الكفاءة اثبت انه غير قادر على الصمود امام صدمات بهذا الحجم و الشركات التي اعتمدت على مصادر محدد او مسارات شحن معينه وجدت نفسها فجاة بلا بدائل في حين ان الشركات التي استثمرت في المرونه و التنوع كانت اكثر قدرة على التكييف.
في هذا السياق تتحول إدارة سلاسل الامداد من وظيفية تشغيليه الى دول استراتيجى بامتياز حيث لم يعد المطلوب فقط هو ضمان تدفق البضائع بل فهم الجغرافيا السياسية و تحليل المخاطر و بناء سيناريوهات متعدد للمستقبل, فمدير سلاسل الامداد اليوم يجب ان يفكر كخبير استراتيجى يربط الاحداث العسكريه في الخليج و توافر المواد الخام في مصانع اسيا او أوروبا.
و بالغم من سوء المشهد الا ان هناك جانيا اخر يجب التوقف عنده و هو ان الندرة في زمن الحرب تخلق أيضا فرص, فالشركات التي تستطيع اعداة تصميم شبكاتها بسرعه او تامين مصادر بديله او حتى الاستثمار في الإنتاج المحلى قد تجد نفسها في موقع تنافسى اقوى.
التاريخ يثبت ان الازمات الكبرى تعيد توزيع مراكز القوة الاقتصاديه و غالبا ما تظهر خلالها نماذج اعمال جديده اكثر مرونه و استدامه
في النهاية يمكن القول ان الحرب ليست مجرد صراع اقليمى بل اختبار عالمى لقدرة سلاسل الامداد على التعامل مع اقصى درجات الندرة و عدم اليقين, ما نشهده اليوم هو إعادة تعريف لمفهوم الندرة نفسة حيت لم تعد مرتبطه فقط بكمية الموارد بل بمدى استقرار الأنظمة التي تنقلها و تديرها, و من يفهم هذه الحقيقة و يعيد بناء سلاسل الامداد على أساسها لن ينجو فقط من الازمه بل قد يخرج منها اقوى مما كان .
تم إعداد هذا المقال بواسطة م/عماد ابراهيم وذلك في إطار إثراء المحتوى المهني وتقديم رؤيه متخصصه في المجال



Leave feedback about this